حبيب الله الهاشمي الخوئي

167

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

روى عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله مرفوعا الايمان نصفان : نصف صبر ، ونصف شكر . ثم إن الصبر تختلف أساميه باختلاف موارده وبالإضافة إلى ما يصبر عنه من مشتهيات الطبع ومقتضيات الهوى ، وما يصبر عليه مما ينفرّ عنه الطبع من المكاره والاذي . فإن كان صبرا عن شهوة الفرج والبطن ، سمّي عفة ، وإن كان في مصيبة اقتصر على اسم الصّبر وتضادّه حالة تسمى الجزع ، وإن كان في احتمال الغنى سمّى ضبط النفس ويضادّه البطر ، وإن كان في حرب ومقاتلة سمّى شجاعة ويضادّه الجبن وإن كان في كظم الغيظ والغضب سمّى حلما ويضادّه التذمّر والسفه وإن كان في نائبة من نوائب الزّمان سمّى سعة الصّدر ويضادّه الضجر وضيق الصّدر ، وإن كان في إخفاء كلام سمّى كتمان السرّ وإن كان عن فضول العيش سمّى زهدا ، ويضادّه الحرص وإن كان على قدر يسير من الحظوظ سمّى قناعة ويضادّه الشّره . وبالجملة فأكثر مكارم الايمان داخل في الصّبر ولأجل ذلك لمّا سئل النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله مرّة عن الايمان فقال : هو الصّبر لأنه أكثر أعماله وأعزّها هذا . وأما أقسامه فقد فصّلها أبو حامد الغزالي في كتاب احياء العلوم وملخّصها أنّ جميع ما يلقى العبد في هذه الحياة لا يخلو من نوعين أحدهما هو الَّذي يوافق هواه والاخر هو الَّذي يخالفه ، وهو محتاج إلى الصبر في كلّ منهما فهو إذا لا يستغنى قطَّ عن الصّبر . النوع الأول ما يوافق الهوى وهو الصّحة والسلامة والمال والجاه وكثرة العشيرة واتساع الأسباب وكثرة الأتباع والأنصار وجميع ملاذّ الدّنيا وما أحوج العبد إلى الصبر على هذه الأمور فإنه إن لم يضبط نفسه عن الرّكون إليها والانهماك في ملاذّها المباحة أخرجه ذلك إلى البطر والطغيان ، فانّ الانسان ليطغى أن رآه استغنى . النوع الثاني ما لا يوافق الهوى وهو على ثلاثة أقسام لأنه إمّا أن يرتبط باختيار العبد كالطاعات والمعاصي ، وإمّا أن لا يرتبط باختياره كالآلام والمصائب وإمّا أن لا يرتبط باختياره ولكن له اختيار في إزالته كالتشفّى من المؤذي بالانتقام منه . أما القسم الأول وهو ما يرتبط باختيار العبد فعلى ضربين . الضرب الأول الطاعات والعبد يحتاج إلى الصبر عليها ، والتحمّل عن مشاقّها